فخر الدين الرازي
245
القضاء والقدر
دُعاؤُكُمْ « 1 » فثبت : أن كونه رحمانا رحيما لا يثبت إلا على قولنا . قال أهل السنة والجماعة : هذا الذي أوردتم علينا ، وارد عليكم . وبيانه من وجوه : الأول : عند حصول القدرة والداعية . إما أن يجب الفعل ، أو لا يجب فإن وجب ، لزمكم ما ألزمتموه علينا . لأنه تعالى هو الخالق لتلك القدرة ولتلك الداعية . وهما يوجبان الكفر والفسق . فكان ذلك إجبار للعبد على القبح . وأما إن قلتم : إن عند حصول القدرة والداعية لا يجب الفعل فحينئذ يكون صدور الفعل اتفاقيا ، والاتفاقي لا يكون مقدورا للعبد . فيترتب أن العقاب عليه ظلم . فثبت : أن الذي أوردوه علينا وارد عليهم لا محالة . الثاني : إن خلاف معلوم اللّه ممتنع الوقوع . فإذا قال لمن علم أنه يموت على الكفر : كلفتك بالإيمان . فكأنه قال له : غير علم اللّه وإلا عاقبتك . ومعلوم أن هذا لا يليق بالرحمة البتة . لأن كل ما أوصل اللّه من الرحمات إلى عباده ، لا يخلو إما أن يقال : إنه تعالى أحوجهم إليها وجعلهم مشتهين لها ، أو ما فعل ذلك . فإن كان الأول لم يكن ذلك رحمة . لأنه تعالى لما أحوجهم إليها ، ثم أعطاهم ذلك المحتاج إليه ، جرى هذا مجرى ما إذا خرق بطن إنسان ثم يداويه . فإن ذلك لا يعد رحمة . وإن كان الثاني وهو أنه تعالى ما أحوجهم إليها ، وما جعلهم مشتهين لها ، راغبين في حصولها ، لم يكن إيصال ذلك إليهم نفعا في حقهم . ألا ترى أن إلقاء العظم إلى الكلب إحسان إليه . لأنه يشتهي ذلك العظم . أما إلقاء قلادة من الدر إليه ، فإنه لا يكون إحسانا إليه . لأنه لا يشتهي ذلك فثبت أن على القسمين لا تعقل حصول الرحمة . وهذا بخلاف الإحسان الصادر من الخلق ، لأن الحاجة ما حصلت من قبل هذا المحسن ، بل كانت الحاجة موجودة في ذات ذلك الشخص . فإذا سعى إنسان في دفع تلك الحاجة ، كان ذلك إحسانا . أما الحق سبحانه فهو الذي أحوج إلى ذلك الشخص ، فإذا أعطى المحتاج إليه ، جرى ذلك مجرى ما إذا أساء ثم أحسن بقدر تلك الإساءة ، ومجرى ما إذا جرح ثم عالج ، فإن ذلك لا يكون إحسانا . فثبت : أن هذا الإلزام وارد عليهم . الثالث : إنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يقبل الإيمان ، وأنه يقدم على الكفر والفسق ، وأنه لا يستفيد من الخلق والتكليف ، إلا عذاب الأبد . كان خلقه وتكليفه مع علمه بأن عاقبته تؤدي إلى هذه الحالة : سعيا في الإضرار والإيلام . وذلك لا يليق بالرحمة . قال أهل السنة والجماعة : الرحمة والكرم إنما تتحقق على مذهبنا ، لا على مذهب المعتزلة . وذلك لأن الجود هو إفادة ما ينبغي لا لعوض « 2 » . وعند المعتزلة أنه تعالى لو لم يعط الثواب والعوض ، فإنه يستحق الذم ، فهو بإعطاء ذلك الثواب ، وذلك العوض ، يتخلص من الذم ،
--> ( 1 ) سورة الفرقان الآية 77 . ( 2 ) قال ذلك أيضا في التفسير الكبير 1 / 166 وقارن أيضا لوامع البينات ص 174 .